طاهر سليمان حموده

48

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

وفي عام 897 ه كان ثالث الأوبئة في عهد قايتباي ، ويبدو أن الناس قد ألفوا هذه الأوبئة التي تنتاب البلاد والعباد بين حين وآخر ، حتى اعتبروا أن مدة خمس عشرة سنة بين الوباءين فترة طويلة « 1 » . وكان اعتقادهم أن حلول الطواعين إنما يكون بسبب ما أحدثوا في دينهم من الفساد ، ويعبر ابن اياس عن ذلك بقوله : ان الطاعون « كان في مدة انقطاعه عن مصر كثر بها الزنا واللواط وشرب الخمر وأكل الربا وجور المماليك في حق الناس » « 2 » . وكان هذا الطاعون أشد من سابقيه إذ يذكر أن من مات به بمدينة القاهرة وحدها يقدر بمائتي ألف « 3 » ، ويؤكد السيوطي ذلك حيث يذكر أنه « ذهب فيه من القاهرة النصف أو أشد » « 4 » . ولا نلبث أن نجد بعد قليل أخبار طاعون رابع حدث بعد وفاة قايتباي وفي حياة السيوطي أيضا وذلك في عام 903 ه ، وقد مات فيه « من المماليك والأطفال والعبيد والجواري جانب » « 5 » ، ومات فيه من هؤلاء قرابة ثمانية آلاف فضلا عن موت جماعة من الأعيان ، هذا إلى جانب ما يقدر بمائتي ألف إنسان بالقاهرة ، وقد مكث بالمدينة نحوا من ثلاثة أشهر « 6 » . والذي يحق أن نقوله هو أن البلاد المصرية لم تكن أسوأ بكثير من غيرها في الإصابة بالأوبئة ، بل كثيرا ما كانت هذه الأوبئة تنتاب كثيرا من بلاد العالم « 7 » ، ولكن يبدو أن إصابة البلاد المصرية وفعل الأوبئة بها كان أكثر قوة ووضوحا نظرا لكثرة السكان ، ولم يكن في مقدور الناس ومستواهم آنذاك حكاما أو محكومين أن يفعلوا شيئا ، بل كان مشهورا عند كثير من علماء ذلك العصر أن الطواعين

--> ( 1 ) السيوطي : المقامة الطاعونية ، مقامات السيوطي ص 69 . ( 2 ) ابن إياس : بدائع الزهور ج 2 ص 273 . ( 3 ) المصدر السابق ج 2 ص 275 . ( 4 ) مقامات السيوطي : المقامة الطاعونية ص 70 . ( 5 ) ابن إياس : بدائع الزهور ج 2 ص 339 . ( 6 ) المصدر السابق : ج 2 ص 340 ، 341 . ( 7 ) المقامة الطاعونية .